بعد صراع طويل مع نفسى ومحاولتى للتغلب على هيستيريا الضحك التى تتملكنى , قررت ان اكتب لكِ تلك الحكاية ربما تعيدنا ذكراها سوياً , معشوقتى الرائعة.
على المعتاد منى وانتى تعرفين عشقى للسفر ليلاً ذهبت لمحطة الحافلات المترامية فى اخر اطراف المدينة والتى اعانى يومياً من مرار الطريق الطويل اليها , لكن ما يؤنسنى فى كالعادة هو وجهك الذى اتخيله فى ذاكرتى دوماً عندما اشعر بالملل او الضجر , ربما يا حبيبتى هذا ما جعلنى من اﻻساس اكتب لكِ تلك الحكاية.
وعندما وصلت لتلك المحطة بعد طريق طويل مع وجهك الشمسى الساحر , جلست بداخل الحافلة فى انتظار طويل لكى يكتمل عدد ركابها ونذهب لوجهتنا القادمة التى حدثتك عنها مسبقاً فى الهاتف امس , بالمناسبة - انا اشتاق لصوتك جداً - , لكنى مصّر على اكمال الحكاية لكِ.
اثناء جلوسى انتظاراً وقد كنت اول ركاب الحافلة , جاء شاب فى مقتبل العمر يكبرنى ببضعة سنوات وجلس فى المقعد المقابل لى بدون حتى ان يلقى علىّ التحية وقد كنت معتاداً على ذلك , لأن اغلب ركاب الحافلات تغمرهم الهموم والمشاغل حتى انهم يذكرون وجهتهم بصعوبة بالغة وربما تفوتهم المحطة المتجهين اليها ويضطرون للمشاجرة مع سائق الحافلة , وكأنه هو المسئول عن فقدهم للمحطة المتجهين اليها!!!
ﻻ ادرى لماذا انا ايضاً انشغلت عنهم بعينيكِ السوداوين المفضلتان من بين كل عيون البشر بالنسبة لى.
جاء ايضاً رجل آخر وجلس فى اول مقاعد الحافلة بعد ان القى التحية بصوت قد يصل للبيت الذى اسكن فيه ويبتعد عن محطة الحافلات بأميال كثيرة , تعلمين بالطبع اننى ابغض الصوت المرتفع بشدة لذلك رددت عليه التحية بصوت منخفض للغاية فعاتبنى الرجل على ذلك وقال لى هل تخاطب نفسك يا رجل , استغربت بشدة من الحميمية التى يمتاز بها كلامه وكأنه يعرفنى منذ دهور , ربما انا من لم يستطع تمييز وجهه.
على اى حال يا حبيبتى الصغيرة , كل تلك اﻻحداث لم تمنعنى من الهيام بعينيك , فكانت عيناك هى الدنيا الآخرى التى احياها بعيداً عن صراخهم وصوتهم المرتفع ربما لأن عالمى اجمل بكثير وانتِ فيه.
كنت عندما اتذكر صوت الرجل المرتفع والطريقة التى القى بها التحية اكاد ان يغشى علىّ من الضحك لأنه القى التحية وكأنه يخاطب جمعا من الناس يتخطى الالف منهم , فى حين انه لم يكن يجلس بالحافلة سواى وهذا الشاب الصامت , كم تمنيت يا حبيبتى ان يدخلون بعقلى ويرون عيناكِ السوداء الرائعة , اعتقد انهم لن يستطيعون تحمل رؤية جمالك بغير ان تذهب عقولهم.
لكنى ﻻ اخشى على عقولهم ربما لأنها غير موجودة كى تذهب , بل اخشى على جمالِك منهم فأنتى تعرفين طبع البشر الذين يحسدون دائماً اﻻشياء الجميلة خصوصاً عندما تكون فى ايدى غيرهم , وانتى يا حبيبتى مثال الجمال فى الكون وعندما يرون حبكِ لى لن يتركونا بغير كلمات الحسد ونظرات الحقد.
ﻻ ادرى ماذا افعل بجمالِك الذى يأخذنى بعيداً تماماً عن تلك الحكاية التى اريد ان اقصها عليكِ , بعد هذا الرجل غريب اﻻطوار , دخل مجموعة من الشباب يبدو انهم من عمال احد المصانع وقد جاء موعد رحيلهم الى البيت لكى يسدلون ستار يوم العمل الشاق لهم , وجلسوا جميعاً فى المقاعد الباقية من الحافلة ولم يتبق سوى ثلاث قاعد فقط , وكان هؤلاء الشباب يمرحون بصوت مرتفع جداً وهذا ما اثار سخط الرجل غريب اﻻطوار الذى صاح فيهم واخبرهم ان لديه آلام مبرحة فى رأسه وهم يزيدونها بصوتهم المرتفع.
لكنهم تطاولوا عليه واخبروه ان الحافلة ليست ملك له كى يتحكم فى نبرة ودرجة علو صوتهم , وهذا اغضب الرجل كثيراً وكان يريد ان يدخل فى مشاجرة عنيفة معهم لولا انهم كانوا يصغرونه سناً ويفوقونه عدداً وهذا ما جعله يتراجع ويصمت , وجعلهم يشعرون بنشوة الظفر به , فقد اعتقد هؤلاء الشباب انهم انتصروا على الرجل , والمنتصر دائماً هو من يفرض قانونه لذلك كان قانون الصوت المرتفع هو اﻻمضى واﻻقوى فى الحافلة.
كل ذلك وانا بالكاد متواجد معهم بالجسد فقط , لكن روحى وعقلى معكِ يا كل نساء الكون , تمنيت لو استطعت ان اقول لهم ان يشاركونى اﻻنبهار بجمالكِ ويتركون الرجل المسكين بلا صوتهم المرتفع , لكنى تذكرت ان قانونهم اﻻقوى , وربما يحيطوننى بالكثير من كلمات السخرية واكون انا من يديرون عليه ليلتهم تلك سباباً وسخرية , ولن استطيع ان افعل شيئاً , لأن بأى حال الكثرة ستغلب حتماً وبأى حال ايضاً انا ﻻ اريد لأحد ان يهيم بجمالكِ غيرى.
وبعد ذلك دخل رجل وزوجته الى الحافله وجلسوا فى المقعدين المتجاورين , وتبقى مقعد واحد فقط لكن الوقت حينها كان قد ابتعد عن منتصف الليل بكثير وتأخر الجميع عما كان ينوى الذهاب له , لذلك اخبر الرجل الجالس بجانب زوجته سائق الحافلة انه سيتكفل بالمقعد اﻻخير , لكن على السائق ان يذهب الآن لأن الوقت تأخر جداً على العودة للمنزل وهو لديه عمل فى الصباح الباكر.
كانت تلك الكلمات هى كالمطر الدافىء بالنسبة للسائق , حيث انه كان يتوقع اﻻنتظار لوقت اطول حتى يجد من يأخذ المقعد اﻻخير فى الحافلة , واخيراً بعد عناء لهم مع الوقت , ووقت رائع بالنسبة لى معكِ , انطلق السائق بالحافلة , لكن الشباب الجالس ايضاً لم يتمكنوا من حبس اصواتهم الفكاهية , وراحوا يسخرون من الزوجة الجالسة بجانب زوجها , لأنها وللحق يا حبيبتى لم تكن تمتلك اقل مقومات المرأة التى تستحق لأجلها ان يُطلق عليها أنثى.
هذا الحدث اغضب الزوج كثيراً وصاح عليهم كى يتوقفوا عن السخرية , ونعتهم بأوصاف اغضبتهم كثيراً وللحق كان هو اشجع منا جميعاً , لأننا انا والرجل الغريب وددنا لو نعتناهم بتلك الالفاظ لولا خوفنا من بطشهم , ربما لأننا لم نكن نملك فى الحافلة ما نخشى منهم عليه , لكن الزوج يمتلك , انها زوجته ولن يسمح لاحد من السخرية منها.
كان سلوكهم هذا يغضبنى انا ايضاً , برغم اننى كدت ان اسقط على اﻻرض من الضحك على الزوجة وهى تخبر زوجها اﻻ يلتفت لهم لأنها تعلم مدى جمالها , وهم يقولون هذا الكلام لأنها اجمل امرأة شاهدتها اعينهم , واشفقت على هذا الزوج لأنه لم يراكِ من قبل يا حبيبتى , لأنه لو فعل لما فكر يوماً فى ان يرتبط بتلك الزوجة التى يطلق عليها بطريق الخطأ انثى.
لكن الزوج توقف عن مناكفة هؤلاء الشباب مطمئناً الى كلمات زوجته , او لشىء اخر , انه ادرك مدى قبح هذة الزوجة وادرك انها ﻻ تستحق ان يدافع عنها , ﻻ ادرى.
لكنى توقفت عن الضحك بأعجوبة واخبرت الشباب ان يتوقفوا عما يفعلونه لأن فى هذا السلوك تحقير للرجل وزوجته التى تتميز يجمال يذهب بالعقل , كانت الكلمات تلك فى غير موضعها على ما اظن , لأن الزوج انتابته حالة من الغضب وصرخ فيّ بصوت جهير , ونعتنى ايضاً بالالفاظ التى نعتهم بها , مع انى كنت امدح جمال زوجته لكنهم هم يذمونه , يبدو ان كل الركاب غريبى اﻻطوار بما فيهم انا ايضاً.
وفجأة ارتفع صوت الشباب وارتفع صوت الرجل غير الاطوار وارتفع صوت الرجل وتحولت الحافلة لميدان من السباب والشتائم وانا بين كل هذا غارق فى الضحك غير مكترث بما يفعلون , ربما لأنى كنت السبب فى هذا الصوت المرتفع.
لكن سائق الحافلة توقف على جانب الطريق واخبرنا جميعا ان ننزل من الحافلة لأنه سيذهب للمنزل حالاً , وﻻ يريد منّا اى ثمن لهذة المسافة التى قادنا اليها , فقط يريد منّا ان نغادر حافلته لأننا سببنا له ازعاجاً لمن يحدث له من قبل , اقسم لكِ يا حبيبتى انه كان على صواب.
لكن بعد عناء طويل من النقاش مع الرجل والرجاء اليه , وافق على استكمال المشوار , بشرط واحد , هو اﻻ تتحدث هذة الزوجة لأن صوتها يزعجه , وهنا ادركت اننى لم اكن على خطأ , وانتابتنى حالة الضحك الهيسترية التى اخبرتك عنها فى بداية هذة الرسالة , فأنا مستغرق فى الضحك منذ ذلك الحين.
" القصة بأفكارى , مقتبسة من اغنية هدير البوسطة للرائعة السيدة فيروز "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق